حرب اليمن..."النزهة" للسعودية وحليفتها الإمارات التي انقلبت كابوساً

حرب اليمن…”نزهة” السعودية وحليفتها الإمارات التي انقلبت كابوساً

حرب اليمن، التي دخلت قبل أسابيع عامها الخامس، بدأت واستمرت وسط تغيير استراتيجي كبير لكنه غير مدروس في السياسة الخارجية للسعودية وحليفتها الإمارات. فالبَلَدان لم يكونا معروفين بالتدخلات الخارجية، خاصة في محيطهما المباشر، حيث كان مجلس التعاون الخليجي الذي تقودانه يعد مثالاً للمنظمات الإقليمية التي تسير أمورها بسلاسة. وقد ظل الإعلام الخليجي يحدّث الناس زمناً عن أن مجلس التعاون هو مثال لما يجب أن تسير عليه العلاقات بين العرب في جامعتهم العربية، وأن دول الخليج ستصبح قريباً ولايات متحدة خليجية أو اتحاد خليجي على غرار الاتحاد الأوروبي.

كل ذلك تغيّر بعد وصول جيل جديد من الحكام في البلدين في السنوات القليلة الماضية، متمثلاً في ابن سلمان في السعودية وابن زايد في الإمارات. كان الأمل أن يرتكز هذان الزعيمان الشابان، بغض النظر عن الطريقة الملتوية التي وصلا بها للحكم، على رؤية آبائهم المسالمة التي لا تفضّل التدخلات في شؤون الآخرين، ومن ثم البناء على تلك الرؤية لاستشراف مستقبل أفضل لشعبيهما. ولكن بدلاً من ذلك قررا أن يغيّرا مسار السياسة الخارجية لبلديهما تغييراً جذرياً، عبر إثارة النعرات الطائفية مع الجارة المسلمة إيران، وفرض حصار على الشقيقة قطر، وقتل آمال العرب من خلال العمل على دعم الثورات المضادة للربيع العربي في مصر والبحرين وليبيا وتونس.

إلا أن ثالثة الأثافي هي بلا شك الحرب المدمرة التي شنها ابن سلمان على الجارة الشقيقة اليمن عبر تحالفه السعودي-الإماراتي، ذلك لأن تلك الحرب تقف شاهداً دامغاً على سوء تفكيره وتخطيطه وتقديره كما أثبتت الوقائع الآن على الأرض. فقد ظن ابن سلمان أن الحرب على شعب اليمن ستكون نزهة سريعة، يثبت من خلالها قوته ويعضّد بها أحقيته بولاية العهد المستلبة، بعد أن تآمر مع أبيه الملك المريض بالزهايمر على انتزاعها من ابن عمه.

لكن الحرب على اليمن ظلت تسير من سيئ إلى أسوأ، بعد أن أساء ابن سلمان التخطيط لها، وفشل في خلق تحالفات مع أهل اليمن، ودمر البلاد ومواطنيها وبُناها التحتية بالقصف الجوي، ونشر فيها وباء الكوليرا، ثم أخذ هو وحليفه ابن زايد بعد ذلك في احتلال جزرها وموانيها وأقاليمها بغرض الانتفاع بخيرات اليمن على مرأى ومسمع من أهلها الذين يعانون أشد معاناة.

في البداية نجحت السعودية في تسويق الحرب للعالم الغربي على أنها حرب ضد المارقين على السلطة الشرعية في اليمن، وعلى الإرهاب الإيراني، وذهب ابن سلمان نفسه في جولات لعواصم الغرب قدّم نفسه فيها على أنه المصلح المنتظر الذي سيحرر مجتمعه المحافظ ويلحقه بركب الأمم المتقدمة، ويعطي المرأة حقوقها التي صادرها نظام ولاية الرجل. ولكن سرعان ما بدأ القناع يتكشف عن ابن سلمان، وبدأ يَظهر للعالم على حقيقته وهو أنه سفاح متسلط امتلأت سجونه ومراكز تعذيبه بالعلماء وناشطات حقوق المرأة. ثم صعق ابن سلمان العالم وخاصة مؤيديه في الغرب عبر كارثة اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وهي الكارثة التي ثبت أنه لا يمكن القيام بها بلا مباركته الشخصية لها.

وعلى الرغم من مأساة خاشقجي وبشاعة الطريقة التي قتل بها، إلا أن قتله تسبب في لفت نظر الغرب خاصة إلى الطبيعة الدموية لهذا الطاغية الشاب، وإلى جرائمه الأخرى وعلى رأسها حربه على اليمن، وما يُرتكب فيها من جرائم حربٍ ومآسٍ أخرى كثيرة، كما لفت النظر إلى العجز المستوطن في شخصية هذا الشاب الأرعن، الذين حسبوه نمراً فوجدوه من ورق.

والآن بعد أن تكشّفت حقيقة هذا الطاغية للقاصي والداني، وتكشف عجزه التمام عن تحقيق أي نجاح أو نصر في أي مجال، أصبح حلفاء السعودية الغربيون ينفضّون عنها زرافات ووحدانا. فها هو الكونغرس الأمريكي يستعد لإصدار قرار بمنع بيع الأسلحة للسعودية والإمارات بسبب حرب اليمن، وها هي الشعوب الأوروبية وبرلماناتها تبدأ بالضغط على حكوماتها في ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لوقف مبيعات الأسلحة لمحور الشر السعودي الإماراتي حتى لا يستخدمها في اليمن.

لقد انقلبت الآن الموازين ظهراً على عقب، فأصبح ابن سلمان الذي طالما استُقبِل بالحفاوة والترحيب الزائد في العواصم الغربية شخصية غير مرغوب فيها هناك، وقاطعته أجهزة الإعلام الغربية التي طالما غضت الطرف عن عيوبه، وانفضّ سامر رأس المال الدولي من حول رؤيته الاقتصادية، وانقلبت عليه حرب اليمن من نزهة ظنّها سريعة وكان من المفترض أن تدعم وضعه في ولاية العهد إلى مستنقع تطيّن فيه حتى خاصرته، وأصبح يجرجر ثياب فشله في ذلك الطين.