الحصاد المر: ابن سلمان وطرد العمالة الأجنبية

الحصاد المر: ابن سلمان وطرد العمالة الأجنبية


الحصاد المر…لعل القراء يذكرون كيف ملأت السعودية الدنيا وشغلت الناس في السنتين الماضيتين بالحديث عن رؤية ولي عهدها محمد بن سلمان، المسماة رؤية 2030، تلك الرؤية التي قيل لنا إنها ستعيد صياغة المملكة السعودية إنساناً واقتصاداً، وتجعل منها “سعودية عظمى” تعلو بهامتها فوق الأمم لتناطح سحاب التقدم والحداثة.

اعتمدت تلك الرؤية نظرياً على عاملين: الأول إصلاح داخلي تقوم فيه المملكة بتهيئة المناخ الاقتصادي في البلاد، عبر تعديل القوانين لتناسب الاستثمار الأجنبي، وعبر سعودة قطاع العمل بحيث يتولى السعوديون بناء دولتهم بأنفسهم. أما العامل الثاني فقد كان إقناع رأس المال الأجنبي بالمجيئ إلى المملكة وتطمينه بأن الاستثمار في السعودية سيكون آمناً ومربحاً.

إلا أن الأمور لم تمض كما كان يريد لها ابن سلمان. ولم يكن ذلك بسبب عوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها، وإنما نتيجة لتجاهله وبطانته المآلات المتوقعة لقراراتهم تلك، وسوء التخطيط الناتج عن عدم الخبرة والتسرع والسذاجة.

بدأ “التطمين” السعودي للعالم بأن السعودية آمنة والاستثمار فيها رابح بحادثة كبرى هزت ثقة العالم في السعودية والاستثمار فيها بدلاً من تقويتها. فقد قام ابن سلمان نوفمبر/تشرين الثاني 2017 باعتقال كبار الرأسماليين السعوديين من أمراء ورجال أعمال وغيرهم في فندق الريتز كارلتون الشهير بالرياض، وقام بابتزازهم واقتطع أموالاً طائلة منهم بحجة الفساد، وعذّب رجاله بعض المعتقلين منهم حتى ماتوا! ثم أعقب ذلك حادثة تطمين كبرى أخرى، هي عملية اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية السعودية بإسطنبول بتركيا في أكتوبر/تشرين الأول 2018، في واحدة من أفشل وأبشع العمليات الاستخباراتية في الذاكرة الحديثة.

أما بخصوص العامل الأول، ومن أجل إنجاح خطة السعودة، قامت المملكة بطرد العمالة الأجنبية أو التضييق عليها، مما أدى لخروج مئات الآلاف من العمال الأجانب المهرة، الذين كان يفترض أن يقوموا ببناء السعودية الجديدة. ولكن بدلاً من تصدي السعوديين من الباحثين للعمل لملء الفراغ في قطاع البناء، فضّل أغلبهم البقاء بمنازلهم أو الاشتغال بمهنة أخرى أقل مشقةً.

والآن بعد مرور بعض الوقت على هذه السياسات، فقد أصبح جلياً مدى الضرر الذي ألحقته باقتصاد المملكة، وتكشّفت الحقيقة وتفاصيلها عبر تقرير أصدرته حديثاً شركة سعودية هي “جدوى للاستثمار”. فقد ذكرت الشركة في إحدى إحصاءاتها الواردة في التقرير أن حوالي1.6 مليون عامل أجنبي غادروا السعودية في العامين الماضيين. وذكر التقرير بالحرف أنه “بينما شهدت كل قطاعات الاقتصاد تدهوراً في عدد العمال الأجانب في العام 2018، إلا أن قطاع البناء شهد أعلى نسبة من الضمور، حيث غادر حوالي910,000 عامل.”

وهكذا اتضح أن التجربة التي هلل لها ابن سلمان وحاشيته وجوقة الإعلام السعودي وقدموها للعالم على أنها عملية بناء ضخمة لدولة عظمى، كانت تفتقر إلى أهم وأبسط وأوضح ركن من أركانها وهم العمال الذين يفترض أن يقومون بعملية البناء!! وبدلاً من أن تصبح التجربة شاهداً على الرؤية الثاقبة بعيدة المدى لولي عهد السعودية، أصبحت دليلاً على نزقه وتسرعه وتخبطه وقلة حيلته.